<![CDATA[NC]]> http://politique.dzblog.com NC fr Sat, 04 Feb 2006 14:27:28 GMT Sat, 04 Feb 2006 14:27:28 GMT dzblog.com v0.2 <![CDATA[دستور 1976]]> http://politique.dzblog.com/article-14868.html

الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية

دستور 1976


تـمـهـيد

لقد استعاد الشعب الجزائري استقلاله بعد كفاح طويل، و حرب تحريرية خاضها بقيادة جبهة التحرير الوطني و جيش التحرير الوطني، فكانت حربا ضارية سيخلدها التاريخ ملحمة من ملاحمه الكبرى التي ميزت انبعاث شعوب  العالم الثالث
 و منذ الاستقلال اندفع الشعب الجزائري بكل حزم، في بناء الدولة و تشييد مجتمع جديد، أساسه القضاء على استغلال الإنسان للإنسان، و غايته ازدهار شخصية الفرد و ترقية الجماهير الشعبية، في إطار الاختيار الاشتراكي 

إن المصادقة الشعبية على الميثاق الوطني في استفتاء 27 يونيو 1976، قد أتاحت من جديد، فرصة أخرى، للثورة الجزائريــة كــي تحـدد مذهبها و ترسم استراتيجيتها على ضوء الاختيار الاشتراكي الذي لا رجــعــة فيه و من هنا ينطلق الشعب الجزائري في مسيرته نحو الرقي، و هو يتصور بوضوح المجتمع الذي يعتزم تشييده

و يمثل الدستور أحد الأهداف الكبرى المسطرة في الميثاق الوطني فإعـداده و تطبيقه استمرار و تتمة لذلك العمل الذي تواصل، دون كلل، منذ التصحيح التاريخي في 19 يونيو 1965، من أجل أن تقيم الأمة دولة منظمة على أساس عصري ديمقراطي، و في سبيل ترجمة الأفكار التقدمية إلى إنجازات ملموسة نطبع الحياة اليومية، و تدفع محتوى الثورة الشعبية، بما تخلقه من حركية في الفكر و العمل، نحو الارتباط النهائي بالاشتراكية

و تقوم دعائم الدولة الجزائرية التي استعادت كامل سيادتها، على مشاركة الجماهير الشعبية في تسيير الشؤون العمومية و خوضها النضال من أجل التنمية التي تستهدف خلق القاعدة المادية للاشتراكية، بعد أن تم تحرير الاقتصاد الوطني من كل تسلط إمبريالي و بهذا يعمل الشعب الجزائري في جميع الميادين، كل يوم أكثر، لتوسيع جبهة نضاله، و تعزيز مسيرته نحو الرقي الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي

إن الجزائر تحتل اليوم مكانة بارزة على المستوى الدولي، بفضل الإشعاع العالمي لثورة فاتح نوفمبر 1954 و بفضل الاحترام الذي استطاعت بلادنا أن تكتسبه بوقوفها إلى جانب القضايا العادلة في العالم كما أنها قد فرضت نفسها، بما بذلته، على المستوى الداخلي، من جهد جاد يتمثل في التنظيم و التنمية، ذلك الجهد الذي يتميز بتوخي العدالة في توزيع الدخل القومي و استخدامه، وبالسعي لترقية الجماهير التي عانت الاستغلال الاستعماري، و مظالم النظام الموروث عن الماضي، أكثر من غيرها 
إن تنظيم مؤتمر جبهة التحرير الوطني الذي سيحدد للحزب قوانينه الأساسية و يعطيه هيئاته القيادية، لتتويج لهذا الجهد المبذول من أجل إقامة مؤسسات للأمة "تخلد بعد الأحداث و زوال الرجال" كما جاء في بيان 19 يونيو 1965

و هكذا يتم الوفاء، على أكمل وجه، بالعهد المشهود الذي أخذ أمام الشعب يوم 19 يونيو 1965، في ظل استمرار و توطيد المثل النبيلة التي كانت منذ البداية، محركا لثورة الأول من نوفمبر 1954 العظيمة

الباب الأول

المبادئ الأساسية لتنظيم المجتمع الجزائري 

الفصل الأول الجمهورية

المادة 1 : الجزائر جمهورية ديمقراطية شعبية، و هي وحدة لا تتجزأ الدولة الجزائرية دولة اشتراكية 

المادة 2 : الإسلام دين الدولة 

المادة 3 : اللغة العربية هي اللغة الوطنية و الرسمية تعمل الدولة على تعميم استعمال اللغة الوطنية في المجال الرسمي 

المادة 4 : عاصمة الجمهورية مدينة الجزائر النشيد الوطني و خاصيات العلم وخاتم الدولة، يحددها القانون 

المادة 5 : السيادة الوطنية ملك للشعب، يمارسها عن طريق الاستفتاء أوبواسطة ممثليه المنتخبين 

المادة 6 : الميثاق الوطني هو المصدر الأساسي لسياسة الأمة وقوانين الدولة  وهو المصدر الإيديولوجي والسياسي المعتمد لمؤسسات الحزب والدولة على جميع المستويات  الميثاق الوطني  مرجع أساسي أيضا لأي تأويل لأحكام الدستور

المادة 7 : المجلس الشعبي هو المؤسسة القاعدية للدولة، والإطار الذي يتم فيه التعبير عن الإرادة الشعبية وتتحقق فيه الديمقراطية
كما أنه القاعدة الأساسية للامركزية و لمساهمة الجماهير الشعبية في تسيير الشؤون العمومية على جميع المستويات 

المادة 8 : تمثل المجالس الشعبية المنتخبة، بحكم محتواها البشري، القوى الاجتماعية للثورة  تتكون الأغلبية، ضمن المجلس الشعبية المنتخبة، من العمال و الفلاحين  يعتبر عاملا كل شخص يعيش من حاصل عمله الـيدوي أو الــفكري و لا يستخدم لمصلحته الخاصة غيره من العمال أثناء ممارسة نشاطه المهني 

المادة 9 : يجب أن تتوفر في ممثلي الشعب مقايــيس الكــفاءة و النــزاهــة و الالتزام يتنافى تمثيل الشعب مع الثراء أو امتلاك مصالح مالية 

الفصل الثاني 

الاشتراكية

المادة 10 : الاشتراكية اختيار الشعب الذي لا رجعة فيه، كما عبر عن ذلك بكامل السيادة في الميثاق الوطني و هي السبيل الوحيد الكفيل باستكمال الاستقلال الوطني مفهوم الاشتراكية، طبقا لما ورد في الميثاق الوطني نصا و روحا، هو تعميق لثورة فاتح نوفمبر 1954 و نتيجة منطقية لها  الثورة الجزائرية ثورة اشتراكية تستهدف إزالة استغلال الإنسان للإنسان، شعارها : "من الشعب و إلى الشعب

المادة 11 : تتوخى الاشتراكية تحقيــق تطــور البلاد، و تحويـل العمال و الفلاحين إلى منتخبين واعين و مسئولين، و نــشر الــعدالة الاجتماعية، و توفير أسباب تفتح شخصية المواطن  تحدد الثورة الاشتراكية خطوط عملها الأساسية للتعجيل بترقية الإنسان إلى مستوى من العيش يتلاءم و ظروف الحياة العصرية، و تمكين الجزائر من إرساء قاعدة اجتماعية اقتصاديــة متحررة مــن الاستغلال و التخلفسيحظى النظام الاجتماعي والاقتصادي الذي ترتكز عليه الاشتراكية بالتطوير المستمر، بحيث يستفيد من مزايا الرقى العلمي و التقني 

المادة 12 : ترمي الاشتراكية إلى تحقيق أهداف ثلاثة : 

1- دعم الاستقلال الوطني  

2- إقامة مجتمع متحرر من استغلال الإنسان للإنسان 

3- ترقية الإنسان و توفير أسباب تفتح شخصيته و ازدهارها  و تعود إلى مؤسسات الحزب و الدولة مهمة تحقيق هذه الأهداف المتكاملة المتلازمة

المادة 13 : يشكل تحقيق اشتراكية وسائل الإنتاج قاعدة أساسية للاشتراكية، و تمثل ملكية الدولة أعلى أشكال  الملكية الاجتماعية

  المادة 14 : تحدد ملكية الدولة بأنها الملكية المحوزة من طرف المجموعة الوطنية التي تمثلها الدولة; تـشـمل هــذه الملكية، بكيفية لا رجعة فيها : الأراضي الرعوية، و الأراضي المؤممة، زراعية كانت أو قابلة للزراعة، و الغابات، و المياه، وما في باطن الأرض، و المنــاجم، و المـقالع، و المصادر الطبيعية للطاقة، و للثروات المعدنية الطبيعية و الحيّة للجرف القاري و للمنطقة الاقتصادية الخاصة 

تعد أيضا أملاكا للدولة بشكل لا رجعة فيه، كل المؤسسات و البنوك و مؤسسات التأمين و المنشآت المؤممة، و مؤسسات النقل بالسكك الحديدية و النقل البحري و الجوي، و الموانئ، و وسائل المواصلات و البريد و البرق و الهاتف، و التلفزة و الإذاعة، و الوسائل الرئيسية للنقل البري، و مجموع المصانع و المؤسسات و المنشآت الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية التي أقامتها الدولة أو تقيمها أو تطورها، أو التي اكتسبتها أو تكتسبها 
يـشـمل احتكار الدولة، بصفة لا رجعة فيها، التجارة الخارجية و تجارة الجملة
يـمـارس هـذا الاحتكار في إطـار الـقـانون 

المادة 15 : على المؤسسات الاشتراكية التي تكلفها الدولة باستثمار أو استغلال أو تنمية جزء من ممتلكاتها أن تذكر في موازنتها وفقا لأحكام القانون، قيمة الأصول المعادلة لقيمة الممتلكات الموضوعة تحت تصرفها 

يتم استخلاف قيمة هذه الأصول، و عند الاقتضاء إعادة تقييمها، حسب القواعد و الطرق المحددة في التشريع 

المادة 16 : الملكية الفردية ذات الاستعمال الشخصي أو العائلي مضمونة 

         الملكية الخاصة غير الاستغلالية، كما يعرفها القانون، جزء لا يتجزأ من التنظيم الاجتماعي الجديد 

         الملكية الخاصة، لا سيما في الميدان الاقتصادي، يجب أن تساهم في تنمية البلاد و أن تكون ذات منفعة اجتماعية و هي مضمونة في إطار القانون 

         حـق الإرث مـضـمـون 

المادة 17 : لا يتم نزع الملكية إلا في إطار القانون 
و يترتب عنه أداء تعويض عادل و منصف
لا تجوز معارضة إجراء نزع الملكية للصالح العام بحجة أية اتفاقية دولية

المادة 18 : تشكل الثورة الثقافية و الثورة الزراعـية و الـثورة الــصــناعية، و التوازن الجهوي، و الأساليب الاشتراكية للتسيير، المحاور الأساسية لبناء الاشتراكية

المادة 19 : تستهدف الثورة الثقافية على الخصوص : 

أ) التأكيد على الشخصية الوطنية و تحقيق التطور الثقافي 

ب) رفع مستوى التعليم و مستوى الكفاءة التقنية للأمة 

ج) اعتماد أسلوب حياتي ينسجم مع الأخلاق الإسلامية و مبادئ  الثورة الاشتراكية مثلما يحددها الميثاق الوطني 

د) حفز الجماهير لتعبئها و تنظيمها للكفاح من أجل التطوير الاجتماعي و الاقتصادي للبلاد و الدفاع عن مكاسب الثورة  الاشتراكية 

ه) ضمان اكتساب وعي اجتماعي و القيام بعمل ملائم كفيل بتغيير البنايات البالية و المجحفة في المجتمع 

و) مكافحة الآفات الاجتماعية و مساوئ البيروقراطية 

ز) القضاء على السلوك الإقطاعي، و الجهوية، و مــحاباة الأقارب، و كل الانحرافات المضادة للثورة

المادة 20 : تخلق الثورة الزراعية نموذجا جديدا لمجتمع ينبئ بجزائر تتطور كل جهاتها من مدن و أرياف، بكيفية منسجمة 

تستهدف الثورة الزراعية : 
أ) تقويض الأركان المادية و المفاهيم المعادية للمجتمع، المتمثلة في استغلال الإنسان للإنسان 
ب) تحطيم قيود النظام الاقتصادي البائد القائم على التعبئة و الاستغلال

جـ) بناء العلاقات الاجتماعية في الوسط الريفي على قواعد جديدة
د) محو الفوارق بين المدن و الأرياف و خاصة ببناء ا]]> Sat, 04 Feb 2006 14:27:28 GMT http://politique.dzblog.com/article-14868.html العولمة و تداعيتها الاقتصادية http://politique.dzblog.com/article-14865.html

  العولمة وتداعياتها الاقتصادية

مرمول عبد الغني


يجوب العالم من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه شبح عملاق يكاد يغطي نور الشمس ويلقي بظلاله على الكرة الارضية برمتها. هذا الشبح لا يختلف اثنان على وجوده ولا يتفق اثنان على حدوده. هذا الشبح هو العولمة التي يصح فيها ماقاله سينغر (SINGER) في التخلّف: انه كالزرافة يسهل التعرّف عليها عند رؤيتها ويصعب تعريفها عند دراستها.
يذكرنا شبح العولمة الذي يجوب العالم منذ منتصف القرن العشرين بشبح الشيوعية الذي كان يجوب أوربة في منتصف القرن التاسع عشر. لقد سعى كارل ماركس وصديقه فريدريك انجلس إلى تعريف العالم بالشيوعية من خلال (المانيفست) البيان الشيوعي وحاولا بذلك دعوة قوى التغيير آنذاك إلى تقريب ساعة انتصار الشيوعية في الدول الأكثر تطورا" أولا" وفي العالم أجمع ثانيا". فقد كانت الدعوة للشيوعية مشروع عولمة لتحويل العالم كله إلى نمط واحد على اختلاف مستويات التطور في المجتمعات البشرية واختلاف ثقافات الشعوب وحضاراتها وعاداتها وتقاليدها.
مع مطلع القرن العشرين بدأت الثورات الاشتراكية تتوإلى من الاتحاد السوفييتي والصين إلى كوبا وغانا وتنزانيا وعم النظام الاشتراكي اكثر من ثلث الكرة الأرضية في أقل من خمسين عاما"، وكادت الثقافة الاشتراكية بما فيها من حس إنساني ومنطلق علمي ظاهري ما سلب الباب الناس، أن تتحول إلى موضة MODE”" العصر، وهذا ما اسبغ على النظرية الاشتراكية صفة القدسية مما نزّهها في أعين اتباعها عن الدراسة والتمحيص والنقد. مع كل الإنجازات التي حققتها الأنظمة الاشتراكية في سنواتها الأولى نتيجة للحماسة الكبيرة التي لقيتها من قوى التغيير لم يكن المعسكر المضاد للاشتراكية عديم السلاح في محاربتها والوقوف في وجه امتدادها وتوسعها. وكانت النتيجة أن توقف النمو في الدول الاشتراكية وتراجع بريق الاشتراكية في العالم وصولا" إلى انهيار الاتحاد السوفييتي ودول المعسكر الاشتراكي الا القليل منها. وهذا القليل المتبقي، وتحت ضغط العوامل الخارجية والمتغيرات الدولية من جهة، واستجابة إلى متطلبات العوامل الداخلية الموضوعية من جهة أخرى، عمد إلى إدخال تغييرات واسعة حتى بدا كأنه تراجع عن الاشتراكية وهو لم يتراجع فعلا" كما هو الحال في الصين والفيتنام وكوبا. الحقيقة أن هذه الدول تراجعت عن تنميط “STANDARISATION " الاقتصاد على الصورة التي رسمها الفكر الماركسي التقليدي الأرثوذكسي وأدخلت بعض التعديلات التي تتساوق مع مستوى نمو اقتصادها وثقافة شعبها وموروثه الثقافي والحضاري. بكلام بسيط ومختصر لم تنجح عولمة العالم على النهج الاشتراكي الشيوعي وعادت غالبية الدول الاشتراكية السابقة إلى اقتصاد السوق وعلى الأقل دخلت في مرحلة الانتقال إلى اقتصاد السوق. ولكنه اقتصاد سوق معدل وفقا" لحاجاتها وخصوصيتها مع عدم التنكر تماما" لتجربتها الاشتراكية السابقة. حقيقة انتهت العولمة الاشتراكية الشيوعية ولكن من الصعب القول ان الاشتراكية انتهت كما يحلو للبعض تكرار ذلك. حتى أن فلاسفة الغرب بدأوا يقولون بنهاية التاريخ (فوكوياما) بمعنى ان العالم انهى تكوينه وتعولم على نمط واحد وهو اسلوب الانتاج الرأسمالي والنموذج الغربي للديمقراطية. فهل صحيح ان العالم تعولم وان العولمة اصبحت قدر الجنس البشرى في المستقبل؟.
لقد وضح البيان الشيوعي صورة الشيوعية المرغوبة التي كان المفكرون يروجون لها في القرن التاسع عشر ولكن التجربة العملية وتنوع الظروف ومتطلبات المجتمعات حالت دون تحقيق التنميط الذي قال به البيان الشيوعي وأراد الاتحاد السوفيتي تعميمه " عولمته " في كل الدول الاشتراكية حتى ان البعض تحدث عن ماركسيات وليس ماركسية واحدة: الماركسية التيتوية( تيتو) في يوغسلافيا والماركسية الماوية (ماو) في الصين والكاستروية (كاسترو) في كوبا ناهيك عن الاشتراكيات الوطنية في بلدان العالم الثالث الخ …
لقد دلت تجربة العولمة الاشتراكية استحالة التنميط على الرغم من وضوح رؤية المؤسسين ثم انها لم تستطيع الاستمرار بسبب اختلاف الظروف. فهل تستطيع العولمة الرأسمالية تحقيق مهمتها كما تريدها القوى الرأسمالية العظمى!
حتى هذه اللحظة ليس هناك اتفاق على تحديد مفهوم العولمة حتى بين انصارها ومؤيديها والداعين لها وليس هناك اتفاق بين القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية السائرة باتجاهها على تحديد الهدف النهائي منها.
ولعل ما يشوّش الصورة المستقبلية للعولمة المنشودة التباين الكبير بين الشعارات المطروحة والأهداف المعلنة وبين الممارسات العملية والاطماع المستورة، حتى يصح فيها القول: شعار حق أريد به باطل. ونعتقد ان العالم يحتاج فيما يحتاج اليه اليوم إلى بيان " عولميّ " كما البيان الشيوعي يحدد ليس فقط المفهوم النظري للعولمة بل يتضمن ايضا" اجراءات تحقيقها ومسؤوليات الدول غنيها وفقيرها، كبيرها وصغيرها في ارساء قواعدها والتقيد بنظمها.
العولمة والعالمية:
هناك التباس كبير في أذهان الكثير من الناس، بما فيهم بعض المختصين بين العالمية والعولمة إذ يعتقد البعض، وليسوا قلة على كل حال، ان كل ظاهرة تنتشر عبر الشعوب والدول مخترقة الحدود السياسية مظهر من مظاهر العولمة ولهذا نسمع حديثهم عن العولمة الثقافية والعولمة السياسية والعولمة الاقتصادية الخ.. وواقع الأمر، كما نعتقد، غير هذا. فمنذ بداية الكون ونشأة الحياة على الأرض كان الانسان يميل إلى استكشاف المجهول وتوسيع آفاق النشاط وما كانت هناك حدود لإمتداداته سوى القيود الفنية مثل نقص كفاءة وسائل النقل والمستوى التكنولوجي المتدني. تدل الدراسات الارشيولوجية على وجود علاقات تبادل اقتصادي وبعثات دبلوماسية بين المالك السورية القديمة في ايبلا وماري على ضفات الفرات وبين الاسر الفرعونية الحاكمة في وادي النيل، كما أن بواخر الفينيقيين في الساحل السوري كانت تمخر عباب البحر المتوسط ليس فقط إلى شمالي افريقية بل وإلى أوربة ايضا".ومازال طريق الحرير موضع دراسات علماء الآثار والانتروبولوجيا لاستكشاف التأثيرات المتبادلة بين حضارات الشرق الاقصى وآسية الوسطى وساحل المتوسط. ثم ألم يرسل السيد المسيح تلاميذه في كل أرجاء المعمورة طالبا" اليهم أن يكرزو باسمه كل الأمم، ألم يتمم الرسالة اليهودية رسالة يهوه الموجهة إلى بني اسرائيل فيجعلها رسالة لكل الأمم؟ وكذلك حال الدين الاسلامي الحنيف فقد جاء هداية للعالمين. اليست الديانتان السماويتان عالميتين بمنطلقاتهما واساليب الدعوة اليهما!
يخطىء البعض ممن يعتقدون ان العولمة بدأت في اعقاب الحرب العالمية الثانية وتأكدت في الاعداد لحرب الخليج الثانية عندما اعلن الرئيس الامريكي جورج بوش الأب دعوته لإقامة نظام عالمي جديد. لقد سبقت دعوة الرئيس بوش دعوات كثيرة قبله في نهاية الحرب العالمية الأولى عندما اريد ان تكون عصبة الأمم حكومة عالمية تنظم أمور جميع الأمم، بما يجنب العالم حربا" عالمية جديدة ما لبثت ان وقعت، ودعوات اخرى بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، بجعل منظمة الأمم المتحدة والمؤسسات والهيئات التابعة لها بمثابة تنظيم دولي يحكم العلاقات بين دول العالم. وقد لعب مجلس الأمن الدولي الذي تسيطر عليه الدول العظمى المنتصرة في الحرب دور الحكومة العالمية.
و يخطئ اكثر من يعتقد ان العولمة بدأت مع بداية العصور التاريخية عندما اصبح مستوى تطور القوى المنتجة وخاصة وسائط النقل حافزا" لتبادل المنتجات بين أرجاء الكرة الأرضية ووسيلة الربط بين أنصارها.
كلا المجموعتين لم تميزا بين العالمية التي هي اتجاه موضوعي لإقامة علاقات تعاون وتبادل منظم بين البشرية على قاعدة المنفعة المتبادلة وفي حدود المصالح التي تقررها الحكومات المعنية في بلدان العالم والعولمة التي هي عملية ارادية تعسفية تسعى إلى فرض العالمية في كل امصار الكرة الأرضية دون مراعاة لخصائص الأمم القومية ومستوى تطورها الاقتصادي حتى ولا لمصالحها الوطنية.
فالعالمية مجموعة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتبادل الخبرات والتجارب بين شعوب العالم عبر المؤسسات الوطنية ويصح ان نقول انها علاقات دولية ليس فيها تعسف واكراه. وعلى الرغم من اقامة المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، منظمة الصحة العالمية ومنظمة التربية والثقافة العالمية (اليونسكو) ومنظمة الطاقة العالمية فلم تسع هذه المنظمات للتدخل في الشؤون الداخلية لأي أمة خلافا" لإرادة حكوماتها. وكانت هذه المنظمات تعمل لخير البشرية في اطار مجتمع دولي متعدد الاتجاهات والخيارات: معسكر اشتراكي، معسكر رأسمالي، بلدان عدم الانحياز ودول الحياد ايضا".
وعلى الرغم من بعض التعسف الذي كانت تلجأ اليه بعض المنظمات الدولية ضد هذه الدولة وتلك فلم يكن بمقدور احدى القوى العظمى فرض شروطها على هواها واستخدام هذه المؤسسات وخاصة مجلس الأمن الدولي لفرض قراراتها على العالم. وفقط بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في اعقاب تهديم جدار برلين برزت مظاهر العولمة وتحول العالم من عالم ثنائي القطبية إلى عالم القطب الواحد واستطاعت امريكة في اعقاب حرب الخليج الثانية وسيطرتها على النفط العربي وخروج الاتحاد السوفيتي من حلبة الصراع، استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها القوة العظمى العسكرية والاقتصادية الوحيدة فرض هيمنتها على المؤسسات العالمية وتحويلها أداة" في يدها محاولة" بذلك تنميط العالم على قياسها وبالأصح امركة العالم وهكذا نكون امام محاولة جديدة لعولمة العالم رأسماليا" وأمريكيا" على غرار محاولة عولمة العالم شيوعيا" وسوفيتيا.
إذن العالمية سيرورة موضوعية تقتضيها ظروف تطور القوى المنتجة وعلاقات الاعتماد المتبادل للشعوب عبر دولها وأنظمتها السياسية في حين ان العولمة عمل ارادي هادف لفرض سيطرة القوى والقوة العظمى على العالم بهدف خلق نمط واحد للعالم. وبصرف النظر عن طبيعة العولمة شيوعية كانت ام رأسمالية تقوم على اقتصاد السوق كان يترتب عليها اقامة بنى سياسية واجتماعية متساوقة معها.
في العولمة الشيوعية: اقتصاد حكومي مخطط مركزيا" – حزب واحد يقود البلد وإلى جانبه منظمات تؤطر الجماهير الخ.. وفي العولمة الرأسمالية: اقتصاد سوق يقوم على الملكية الخاصة. تعددية حزبية مع تداول سلمي للسلطة، لكل حزب منظماته الشعبية ونقاباته المهنية وفي الحالتين لا يعترف بنظام مخالف ويتم السعي إلى تبديله. والغريب انه في نظامي العولمة المتناقضين في كل شيء ينقسم البشر إلى مجموعتين: مجموعة ترجو من العولمة انقاذ الانسانية من الشرور التي لحقت بها منذ آلاف السنين بدءا" من الغزوات والنهب ونهاية بالحروب والتدمير، وترى هذه المجموعة في عولمتها (الشيوعية والرأسمالية) مستقر العالم ومحطته الأخيرة. وهناك مجموعة اخرى تخشى ان تكون العولمة اسلوبا" جديدا" في فرض القهر والحرمان سواء من طبقة على طبقة وطبقات تحت شعار التحرر من الاستغلال ام من امة على امة وامم تحت شعار الاعتماد المتبادل والتخصيص الأمثل للموارد. وفي الحالتين لا تقر العولمة خصائص الشعوب وتقاليدها وحضارتها وانما تسعى إلى قولبة العالم وتقديمه باشكال معلّبة على نحو منمط.
وإذا كانت العولمة الشيوعية قد اصيبت بانتكاسة كبرى جعلت منظريها ومؤيديها يعيدون النظر ببنيتها وقانونية تعميمها والأرجح في ضرورة تنوعها في اطار خطوطها العريضة، فإن العولمة الرأسمالية بزعامة الولايات المتحدة تستشعر قوتها يوما" بعد يوم وتحاول اعادة بناء العالم وفقا" ليس فقط للنموذج الرأسمالي الغربي بل وحتى وفقا" للنموذج الامريكي الذي يصفه علماء الاقتصاد والسياسة بالرأسمالية المتوحشة. وإذا كانت العولمة الشيوعية اعتمدت الايديولوجيا في توحيد العالم على قاعدة فلسفية تهدف إلىاعلاء شأن الانسان واعتباره القيمة العليا فإن العولمة الرأسمالية اعتمدت الربح المادي اساسا" في الانتشار واعتبرت الانسان مجرد وسيلة لزيادة الكسب الدائم بالرغم من كل الشعارات الرنانة التي ترفعها: العدالة والحرية والمساواة وحقوق الانسان الخ..
والعالمية بالمفهوم الذي سقناه سابقا" بمعنى انتشار الظواهر المرغوبة عبر حدود الدول وبين الشعوب تبعا" لتطور مستوى القوى المنتجة وتقدم وسائل الاتصالات بين الناس في أرجاء الكرة الارضية هي تطور طبيعي لظاهرة القومية والوطنية. فكما أن الانصهار القبلي والطائفي والعشائري في إطار وطني قومي جاء نتيجة تطور القوى المنتجة وحاجة قوى الانتاج إلى اتساع السوق من ناحية ونتيجة تطور وسائل الاتصال من ناحية اخرى ماقلّص النزاعات بين القبائل والطوائف والعشائر وعمّق مصالحها المشتركة الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية.كل هذا أدى إلى بروز الأمم والدول وحدات سياسية واقتصادية على قاعدة العقد الاجتماعي والتراضي بين الناس لتحل محل العشائر والطوائف والشعوب مكونة نسيجا" متجانسا" بح&