يجوب العالم من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه شبح عملاق يكاد يغطي نور الشمس ويلقي بظلاله على الكرة الارضية برمتها. هذا الشبح لا يختلف اثنان على وجوده ولا يتفق اثنان على حدوده. هذا الشبح هو العولمة التي يصح فيها ماقاله سينغر (SINGER) في التخلّف: انه كالزرافة يسهل التعرّف عليها عند رؤيتها ويصعب تعريفها عند دراستها. يذكرنا شبح العولمة الذي يجوب العالم منذ منتصف القرن العشرين بشبح الشيوعية الذي كان يجوب أوربة في منتصف القرن التاسع عشر. لقد سعى كارل ماركس وصديقه فريدريك انجلس إلى تعريف العالم بالشيوعية من خلال (المانيفست) البيان الشيوعي وحاولا بذلك دعوة قوى التغيير آنذاك إلى تقريب ساعة انتصار الشيوعية في الدول الأكثر تطورا" أولا" وفي العالم أجمع ثانيا". فقد كانت الدعوة للشيوعية مشروع عولمة لتحويل العالم كله إلى نمط واحد على اختلاف مستويات التطور في المجتمعات البشرية واختلاف ثقافات الشعوب وحضاراتها وعاداتها وتقاليدها. مع مطلع القرن العشرين بدأت الثورات الاشتراكية تتوإلى من الاتحاد السوفييتي والصين إلى كوبا وغانا وتنزانيا وعم النظام الاشتراكي اكثر من ثلث الكرة الأرضية في أقل من خمسين عاما"، وكادت الثقافة الاشتراكية بما فيها من حس إنساني ومنطلق علمي ظاهري ما سلب الباب الناس، أن تتحول إلى موضة MODE”" العصر، وهذا ما اسبغ على النظرية الاشتراكية صفة القدسية مما نزّهها في أعين اتباعها عن الدراسة والتمحيص والنقد. مع كل الإنجازات التي حققتها الأنظمة الاشتراكية في سنواتها الأولى نتيجة للحماسة الكبيرة التي لقيتها من قوى التغيير لم يكن المعسكر المضاد للاشتراكية عديم السلاح في محاربتها والوقوف في وجه امتدادها وتوسعها. وكانت النتيجة أن توقف النمو في الدول الاشتراكية وتراجع بريق الاشتراكية في العالم وصولا" إلى انهيار الاتحاد السوفييتي ودول المعسكر الاشتراكي الا القليل منها. وهذا القليل المتبقي، وتحت ضغط العوامل الخارجية والمتغيرات الدولية من جهة، واستجابة إلى متطلبات العوامل الداخلية الموضوعية من جهة أخرى، عمد إلى إدخال تغييرات واسعة حتى بدا كأنه تراجع عن الاشتراكية وهو لم يتراجع فعلا" كما هو الحال في الصين والفيتنام وكوبا. الحقيقة أن هذه الدول تراجعت عن تنميط “STANDARISATION " الاقتصاد على الصورة التي رسمها الفكر الماركسي التقليدي الأرثوذكسي وأدخلت بعض التعديلات التي تتساوق مع مستوى نمو اقتصادها وثقافة شعبها وموروثه الثقافي والحضاري. بكلام بسيط ومختصر لم تنجح عولمة العالم على النهج الاشتراكي الشيوعي وعادت غالبية الدول الاشتراكية السابقة إلى اقتصاد السوق وعلى الأقل دخلت في مرحلة الانتقال إلى اقتصاد السوق. ولكنه اقتصاد سوق معدل وفقا" لحاجاتها وخصوصيتها مع عدم التنكر تماما" لتجربتها الاشتراكية السابقة. حقيقة انتهت العولمة الاشتراكية الشيوعية ولكن من الصعب القول ان الاشتراكية انتهت كما يحلو للبعض تكرار ذلك. حتى أن فلاسفة الغرب بدأوا يقولون بنهاية التاريخ (فوكوياما) بمعنى ان العالم انهى تكوينه وتعولم على نمط واحد وهو اسلوب الانتاج الرأسمالي والنموذج الغربي للديمقراطية. فهل صحيح ان العالم تعولم وان العولمة اصبحت قدر الجنس البشرى في المستقبل؟. لقد وضح البيان الشيوعي صورة الشيوعية المرغوبة التي كان المفكرون يروجون لها في القرن التاسع عشر ولكن التجربة العملية وتنوع الظروف ومتطلبات المجتمعات حالت دون تحقيق التنميط الذي قال به البيان الشيوعي وأراد الاتحاد السوفيتي تعميمه " عولمته " في كل الدول الاشتراكية حتى ان البعض تحدث عن ماركسيات وليس ماركسية واحدة: الماركسية التيتوية( تيتو) في يوغسلافيا والماركسية الماوية (ماو) في الصين والكاستروية (كاسترو) في كوبا ناهيك عن الاشتراكيات الوطنية في بلدان العالم الثالث الخ … لقد دلت تجربة العولمة الاشتراكية استحالة التنميط على الرغم من وضوح رؤية المؤسسين ثم انها لم تستطيع الاستمرار بسبب اختلاف الظروف. فهل تستطيع العولمة الرأسمالية تحقيق مهمتها كما تريدها القوى الرأسمالية العظمى! حتى هذه اللحظة ليس هناك اتفاق على تحديد مفهوم العولمة حتى بين انصارها ومؤيديها والداعين لها وليس هناك اتفاق بين القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية السائرة باتجاهها على تحديد الهدف النهائي منها. ولعل ما يشوّش الصورة المستقبلية للعولمة المنشودة التباين الكبير بين الشعارات المطروحة والأهداف المعلنة وبين الممارسات العملية والاطماع المستورة، حتى يصح فيها القول: شعار حق أريد به باطل. ونعتقد ان العالم يحتاج فيما يحتاج اليه اليوم إلى بيان " عولميّ " كما البيان الشيوعي يحدد ليس فقط المفهوم النظري للعولمة بل يتضمن ايضا" اجراءات تحقيقها ومسؤوليات الدول غنيها وفقيرها، كبيرها وصغيرها في ارساء قواعدها والتقيد بنظمها. العولمة والعالمية: هناك التباس كبير في أذهان الكثير من الناس، بما فيهم بعض المختصين بين العالمية والعولمة إذ يعتقد البعض، وليسوا قلة على كل حال، ان كل ظاهرة تنتشر عبر الشعوب والدول مخترقة الحدود السياسية مظهر من مظاهر العولمة ولهذا نسمع حديثهم عن العولمة الثقافية والعولمة السياسية والعولمة الاقتصادية الخ.. وواقع الأمر، كما نعتقد، غير هذا. فمنذ بداية الكون ونشأة الحياة على الأرض كان الانسان يميل إلى استكشاف المجهول وتوسيع آفاق النشاط وما كانت هناك حدود لإمتداداته سوى القيود الفنية مثل نقص كفاءة وسائل النقل والمستوى التكنولوجي المتدني. تدل الدراسات الارشيولوجية على وجود علاقات تبادل اقتصادي وبعثات دبلوماسية بين المالك السورية القديمة في ايبلا وماري على ضفات الفرات وبين الاسر الفرعونية الحاكمة في وادي النيل، كما أن بواخر الفينيقيين في الساحل السوري كانت تمخر عباب البحر المتوسط ليس فقط إلى شمالي افريقية بل وإلى أوربة ايضا".ومازال طريق الحرير موضع دراسات علماء الآثار والانتروبولوجيا لاستكشاف التأثيرات المتبادلة بين حضارات الشرق الاقصى وآسية الوسطى وساحل المتوسط. ثم ألم يرسل السيد المسيح تلاميذه في كل أرجاء المعمورة طالبا" اليهم أن يكرزو باسمه كل الأمم، ألم يتمم الرسالة اليهودية رسالة يهوه الموجهة إلى بني اسرائيل فيجعلها رسالة لكل الأمم؟ وكذلك حال الدين الاسلامي الحنيف فقد جاء هداية للعالمين. اليست الديانتان السماويتان عالميتين بمنطلقاتهما واساليب الدعوة اليهما! يخطىء البعض ممن يعتقدون ان العولمة بدأت في اعقاب الحرب العالمية الثانية وتأكدت في الاعداد لحرب الخليج الثانية عندما اعلن الرئيس الامريكي جورج بوش الأب دعوته لإقامة نظام عالمي جديد. لقد سبقت دعوة الرئيس بوش دعوات كثيرة قبله في نهاية الحرب العالمية الأولى عندما اريد ان تكون عصبة الأمم حكومة عالمية تنظم أمور جميع الأمم، بما يجنب العالم حربا" عالمية جديدة ما لبثت ان وقعت، ودعوات اخرى بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، بجعل منظمة الأمم المتحدة والمؤسسات والهيئات التابعة لها بمثابة تنظيم دولي يحكم العلاقات بين دول العالم. وقد لعب مجلس الأمن الدولي الذي تسيطر عليه الدول العظمى المنتصرة في الحرب دور الحكومة العالمية. و يخطئ اكثر من يعتقد ان العولمة بدأت مع بداية العصور التاريخية عندما اصبح مستوى تطور القوى المنتجة وخاصة وسائط النقل حافزا" لتبادل المنتجات بين أرجاء الكرة الأرضية ووسيلة الربط بين أنصارها. كلا المجموعتين لم تميزا بين العالمية التي هي اتجاه موضوعي لإقامة علاقات تعاون وتبادل منظم بين البشرية على قاعدة المنفعة المتبادلة وفي حدود المصالح التي تقررها الحكومات المعنية في بلدان العالم والعولمة التي هي عملية ارادية تعسفية تسعى إلى فرض العالمية في كل امصار الكرة الأرضية دون مراعاة لخصائص الأمم القومية ومستوى تطورها الاقتصادي حتى ولا لمصالحها الوطنية. فالعالمية مجموعة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتبادل الخبرات والتجارب بين شعوب العالم عبر المؤسسات الوطنية ويصح ان نقول انها علاقات دولية ليس فيها تعسف واكراه. وعلى الرغم من اقامة المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، منظمة الصحة العالمية ومنظمة التربية والثقافة العالمية (اليونسكو) ومنظمة الطاقة العالمية فلم تسع هذه المنظمات للتدخل في الشؤون الداخلية لأي أمة خلافا" لإرادة حكوماتها. وكانت هذه المنظمات تعمل لخير البشرية في اطار مجتمع دولي متعدد الاتجاهات والخيارات: معسكر اشتراكي، معسكر رأسمالي، بلدان عدم الانحياز ودول الحياد ايضا". وعلى الرغم من بعض التعسف الذي كانت تلجأ اليه بعض المنظمات الدولية ضد هذه الدولة وتلك فلم يكن بمقدور احدى القوى العظمى فرض شروطها على هواها واستخدام هذه المؤسسات وخاصة مجلس الأمن الدولي لفرض قراراتها على العالم. وفقط بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في اعقاب تهديم جدار برلين برزت مظاهر العولمة وتحول العالم من عالم ثنائي القطبية إلى عالم القطب الواحد واستطاعت امريكة في اعقاب حرب الخليج الثانية وسيطرتها على النفط العربي وخروج الاتحاد السوفيتي من حلبة الصراع، استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها القوة العظمى العسكرية والاقتصادية الوحيدة فرض هيمنتها على المؤسسات العالمية وتحويلها أداة" في يدها محاولة" بذلك تنميط العالم على قياسها وبالأصح امركة العالم وهكذا نكون امام محاولة جديدة لعولمة العالم رأسماليا" وأمريكيا" على غرار محاولة عولمة العالم شيوعيا" وسوفيتيا. إذن العالمية سيرورة موضوعية تقتضيها ظروف تطور القوى المنتجة وعلاقات الاعتماد المتبادل للشعوب عبر دولها وأنظمتها السياسية في حين ان العولمة عمل ارادي هادف لفرض سيطرة القوى والقوة العظمى على العالم بهدف خلق نمط واحد للعالم. وبصرف النظر عن طبيعة العولمة شيوعية كانت ام رأسمالية تقوم على اقتصاد السوق كان يترتب عليها اقامة بنى سياسية واجتماعية متساوقة معها. في العولمة الشيوعية: اقتصاد حكومي مخطط مركزيا" – حزب واحد يقود البلد وإلى جانبه منظمات تؤطر الجماهير الخ.. وفي العولمة الرأسمالية: اقتصاد سوق يقوم على الملكية الخاصة. تعددية حزبية مع تداول سلمي للسلطة، لكل حزب منظماته الشعبية ونقاباته المهنية وفي الحالتين لا يعترف بنظام مخالف ويتم السعي إلى تبديله. والغريب انه في نظامي العولمة المتناقضين في كل شيء ينقسم البشر إلى مجموعتين: مجموعة ترجو من العولمة انقاذ الانسانية من الشرور التي لحقت بها منذ آلاف السنين بدءا" من الغزوات والنهب ونهاية بالحروب والتدمير، وترى هذه المجموعة في عولمتها (الشيوعية والرأسمالية) مستقر العالم ومحطته الأخيرة. وهناك مجموعة اخرى تخشى ان تكون العولمة اسلوبا" جديدا" في فرض القهر والحرمان سواء من طبقة على طبقة وطبقات تحت شعار التحرر من الاستغلال ام من امة على امة وامم تحت شعار الاعتماد المتبادل والتخصيص الأمثل للموارد. وفي الحالتين لا تقر العولمة خصائص الشعوب وتقاليدها وحضارتها وانما تسعى إلى قولبة العالم وتقديمه باشكال معلّبة على نحو منمط. وإذا كانت العولمة الشيوعية قد اصيبت بانتكاسة كبرى جعلت منظريها ومؤيديها يعيدون النظر ببنيتها وقانونية تعميمها والأرجح في ضرورة تنوعها في اطار خطوطها العريضة، فإن العولمة الرأسمالية بزعامة الولايات المتحدة تستشعر قوتها يوما" بعد يوم وتحاول اعادة بناء العالم وفقا" ليس فقط للنموذج الرأسمالي الغربي بل وحتى وفقا" للنموذج الامريكي الذي يصفه علماء الاقتصاد والسياسة بالرأسمالية المتوحشة. وإذا كانت العولمة الشيوعية اعتمدت الايديولوجيا في توحيد العالم على قاعدة فلسفية تهدف إلىاعلاء شأن الانسان واعتباره القيمة العليا فإن العولمة الرأسمالية اعتمدت الربح المادي اساسا" في الانتشار واعتبرت الانسان مجرد وسيلة لزيادة الكسب الدائم بالرغم من كل الشعارات الرنانة التي ترفعها: العدالة والحرية والمساواة وحقوق الانسان الخ.. والعالمية بالمفهوم الذي سقناه سابقا" بمعنى انتشار الظواهر المرغوبة عبر حدود الدول وبين الشعوب تبعا" لتطور مستوى القوى المنتجة وتقدم وسائل الاتصالات بين الناس في أرجاء الكرة الارضية هي تطور طبيعي لظاهرة القومية والوطنية. فكما أن الانصهار القبلي والطائفي والعشائري في إطار وطني قومي جاء نتيجة تطور القوى المنتجة وحاجة قوى الانتاج إلى اتساع السوق من ناحية ونتيجة تطور وسائل الاتصال من ناحية اخرى ماقلّص النزاعات بين القبائل والطوائف والعشائر وعمّق مصالحها المشتركة الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية.كل هذا أدى إلى بروز الأمم والدول وحدات سياسية واقتصادية على قاعدة العقد الاجتماعي والتراضي بين الناس لتحل محل العشائر والطوائف والشعوب مكونة نسيجا" متجانسا" بحكم متانة العلاقات وضرورة الالتقاء. بالمقابل فإن العالمية تيار موضوعي يتنامى مع تنامي مستوى تطور القوى المنتجة ووسائل الاتصال بين أمم وشعوب العالم فتكون العالمية بوتقة لتقارب أمم العالم وانصهارها في إطار مجتمع انساني منسجم لا يلغي